حيدر صبي
من يتتبع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الأيام الأخيرة ، يجده كممثل يهيّئ المسرح ليسدل ستاره وقبل أن بنتشي حرار تصفيق الجمهور له .
فما لوحظ عليه انه لا يتحدث كرئيس غارق في وحل حرب غير تقليدية لا تقرأ نهاياتها من خلال الوقائع الميدانية ” سمة حروب هذا العصر ” ، حيث النهايات تُكتب أولاً في التصريحات ثم تُطبق لاحقاً على الأرض لتشخُص كواقع .
ايضاً ما ظهر على تصريحاته انه ” يبعثر إشاراته بعناية ، فقوله ‘ ( الحرب لن تستمر طويلاً ، تغيّر النظام الإيراني بالفعل ، مفاوضات تجري الآن ، تقدم كبير نحو نهاية الحرب ، مستعد لانهاء الحرب حتى دون فتح مضيق هرمز ) .
تصريحات كانت تعد في الاسبوعين الأولين للحرب خطوطاً حمراء ، وقبل ان ذهب أبعد من ذلك حين أكّد انه الوحيد الذي يملك مفاتيح الإيقاف ، وانه الوحيد الذي بيده قرار ايقافها . لكن على الضفة الأخرى من هذا الخطاب المطمئن ، يقف مشهد مختلف تماماً لنرى ” تعزيزات عسكرية متواصلة ، ووصول أو اقتراب قوات المارينز ووحدات النخبة من مسرح العمليات ، استمرار الضربات ، وتهديد صريح بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية بالكامل إن لم تُقبل الشروط ” ، هلّا دققتم في التناقض هذا ؟ . انه تناقض ليس بالعرضي قدر كونه تناقض مقصود لإسلوب ترامبي صرف ” يقول شيئاً ويفعل بما يبقي جميع الإحتمالات مفتوحة ” .
خطاب مزدوج أم استراتيجية مركبة ؟ .
ترمب يتحرك على خطين متوازيين ، خط أول موجه للداخل الأمريكي والأسواق العالمية ، يضخ فيه رسائل الطمأنة من أن الحرب قصيرة وأن النهاية قريبة وأن الأمور تحت السيطرة .
وخط ثانٍ موجه لإيران ، بلغة مختلفة تماماً ، ( إمّا أن تعقدوا صفقة سريعة أو تصعيد مفتوح ) .
وبين الخطين، تتشكل منطقة ضغط قصوى لتُجبر ايران على التفاوض تحت وقع التهديد . هذا النمط ليس جديداً في سلوك ترمب ، اذ استخدمه مع كوريا الشمالية ، ومع الصين في الحرب التجارية ، حيث كان التصعيد اللفظي يترافق دائماً مع فتح باب التفاوض .
إعادة تعريف النصر
ما يلفت في خطاب ترمب حديثه عن قرب النهاية بل تخفيضه التدريجي لسقف الأهداف ، فحين يصبح إنهاء الحرب ممكناً “ حتى دون فتح مضيق هرمز ” ، فهو هنا أعاد تعريف مفهوم “ النصر ” بما يسمح بالخروج السريع ولايدخل ضمن مضمار النكوص أو التراجع . فالنصر لدى ترمب لا يُقاس بحسم كل الملفات دفعةً واحدة قدر تحقيقه للحد الأدنى الذي يمكن تسويقه داخلياً كإنجاز من ناحية ( ضرب القدرات ، إضعاف البنية ، فرض الردع ،
ثم إعلان النهاية ) . لهذا لم يكن غريباً أن يتناغم تصريح بنيامين نتنياهو مع هذا الاتجاه ، حين قال إن الصواريخ الإيرانية لم تعد تشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل . هذا التصريح في سياقه الحقيقي ، لا يعتبر تقييماً عسكرياً بقدر ما هو غطاء سياسي لإنهاء الحرب . ايضا ، تصريحه يقع ضمن رسالة للداخل الإسرائيلي ، تقول ” لقد تحقق الهدف ويمكن التوقف ” .
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً ، إذا كانت الحرب تقترب من نهايتها ، فلماذا هذا الحشد العسكري ؟ . الجواب لا يكمن في نفي أحد المسارين إنّما في الجمع بينهما ، فهذا الحشد يؤدي ثلاث وظائف متزامنة ؛
أولاً : تأمين مرحلة ما قبل الإنهاء ، ومنع أي رد إيراني قد يعرقل إعلان النهاية .
ثانياً : رفع سقف الضغط التفاوضي إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح كلفة الرفض أعلى من كلفة القبول .
ثالثاً : إبقاء خيار التصعيد جاهزاً في حال فشل المفاوضات ودون الحاجة إلى وقت إضافي لإعادة الانتشار .
لكن هناك احتمالاً آخر أكثر حساسية لا يمكن إغفاله وهو أن يكون هذا الحشد جزءاً من تمويه لعملية نوعية معقدة ، تستهدف أهدافاً شديدة الحساسية ، كإحتلال جزر بعينها او تدميرها ، الاستحواذ على مواد عالية التخصيب أو البنية المرتبطة بها ، ومثل هكذا عمليات ووفق السياقات العسكرية ، تحتاج الى ؛ وقت تحضير دقيق ، غطاء تضليلي ، وسقف زمني قصير ، وقوة تدخل خاصة قادرة على التنفيذ والانسحاب . هذه العمليات بطبيعتها ، عمليات عالية المخاطر ، وقد تشهد خسائر في صفوف القوة المهاجمة ، لكنها في المقابل تُحدث أثراً استراتيجياً حاسماً .
المهلة الحاسمة
المهلة التي وضعها ترمب توشك على الانتهاء ، ولم يتبق منها سوى أيام معدودة ، وفي الخلفية تتحرك قنوات تفاوض غير مباشرة حيث تستعد كراتشي لاستضافة لقاءات محتملة ، فيما تجلس السعودية وتركيا ومصر على مقربة من الطاولة كضامنين أو وسطاء أو شركاء في صياغة المخرج .
سيناريوهات لما بعد الأيام الخمسة
هناك امامنا سيحضر سيناريوهان لما بعد انتهاء مدة الخمسة أيام :
السيناريو الأول ؛ نهاية خلال أسبوعين ، وفي هذا السيناريو تنجح استراتيجية الضغط القصوى .
ثم تُستكمل المفاوضات عبر الوسطاء ، ويتم التوصل إلى صيغة اتفاق غير معلنة بالكامل ، وتتضمن ” وقفاً تدريجياً لإطلاق النار ، تفاهمات ضمنية حول البرنامج النووي ، ترتيبات أمنية في الخليج دون إعلان رسمي ” . ثم يأتي الإعلان من قبل ترمب ، ليعلن نهاية الحرب بوصفها “ نصراً كاملاً ” ، من جهته وبذات المقلب ، نتنياهو يؤكد زوال التهديد ، وتُسوّق النتيجة كإعادة رسم لقواعد الردع في المنطقة . أما بقية الملفات العالقة كهرمز أو التخصيب فتُرحّل إلى جولات لاحقة .
السيناريو الثاني ؛ انفجار خلاف التوقعات
،
في حال فشلت المفاوضات أو تعثرت في لحظتها الأخيرة ، فإن المشهد ينقلب بسرعة وقد نشهد ضربة نوعية مفاجئة تستهدف منشآت شديدة الحساسية ، في محاولة للسيطرة على مواد استراتيجية أو تدميرها ، على اننا وبموازاة التصعيد الأمريكي سنشهد تصعيداً إيرانياً مضاداً يشمل استهداف دول الخليج أو الممرات البحرية ، واتساع رقعة الاشتباك بشكل يفوق كل التقديرات . في هذا السيناريو يتحول الحشد العسكري من أداة ضغط إلى أداة حرب فعلية وتدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً . واذن فنحن في لحظة ما قبل القرار ، لنجد ترمب يناور في خطابه ، بخطاب مزدوج لايندرج تحت عنوان التردد قدر اقترابه من اتخاذ القرار ، وهناك على الأرجح نية حقيقية لإنهاء الحرب لكنها نية مشروطة بإخراج يبدو كـ “نصر” ملموس يحقق الحد الادنى وهدف شن الحرب ، وبين نهاية تُكتب خلال أسبوعين وانفجار يعيد تشكيل الصراع تقف المنطقة كلها على حافة مهلة قصيرة قد تكون الأكثر حسماً في هذه الحرب .