“ميدل
 إيست أونلاين”:

يواجه العراق توتراً أمنياً وسياسياً متصاعداً جراء الضغوط الأميركية المتزايدة لإصلاح قطاع الأمن، خاصة إعادة هيكلة قوات الحشد الشعبي، في وقت تتوعد فيه فصائل مسلحة بالرد على أي محاولة لتفكيكها أو تهميشها.

وتشمل المقترحات الأميركية نزع السلاح التدريجي للفصائل القوية، وتهميش قادة الميليشيات، وتعيين ضباط عسكريين محترفين للإشراف على البنية التحتية وسلسلة القيادة في الحشد الشعبي. وترى واشنطن أن هذه الإصلاحات ضرورية لاستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتقليص النفوذ الإيراني داخل المؤسسات العراقية.

وكشفت زيارة استمرت خمسة أيام للجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس إلى بغداد عن عمق هذه الجهود. والتقى بترايوس خلال الزيارة برئيس الوزراء علي الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين. ويعمل بترايوس بصفة استشارية للمساعدة في صياغة خطة تنفيذية لإعادة هيكلة قوات الحشد.

وبعد مغادرته بغداد، أشار بترايوس في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المسؤولين العراقيين أدركوا أهمية احتكار أجهزة الأمن لاستخدام القوة، مع التأكيد على واقعية التعامل مع الديناميات الإيرانية في البلاد.

وردت قيادات شيعية وقادة فصائل مسلحة بغضب شديد على هذه المقترحات، محذرين من أن أي محاولة لتفكيك الحشد أو دمجه قسراً قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وإشعال صراع داخلي. وهددت شخصيات مرتبطة بالفصائل علناً بالانتقام من أي مسؤول يشارك في مشاريع تستهدف حل الحشد أو إعادة هيكلته.

ويُعتبر الملف خطراً كبيراً على رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تراهن عليه واشنطن للابتعاد تدريجياً عن النفوذ الإيراني مع الحفاظ على التوازن الداخلي. ومن المتوقع أن يزور الزيدي واشنطن بعد عيد الأضحى لبحث التعاون الأمني المستقبلي مع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب، مع الإشارة إلى أن التوقيت قد يتأثر بمسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية.

وأعرب مسؤولون عراقيون عن صعوبة التعامل مع ملف الحشد، مشيرين إلى أن أي اقتراب منه “قد ينفجر في وجه الجميع”. ورفضت واشنطن مقترحات عراقية وصفتها بـ”التجميلية”، بما في ذلك تحويل الحشد إلى وزارة أمن اتحادية جديدة.

وطالبت الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات ملموسة تشمل نقل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى هيئات أمنية موثوقة، وإبعاد قادة متورطين في هجمات ضد المصالح الأميركية والخليجية.

ومن الناحية القانونية والسياسية، يُعتبر تفكيك الحشد أمراً معقداً، إذ يحميه قانون صادر عن البرلمان، ويحظى بدعم واسع من الأحزاب الشيعية التي تسيطر على نحو 180 مقعداً برلمانياً.

وأقر بعض القادة الشيعة في أحاديث خاصة بمخاطر الفصائل المسلحة، لكنهم أكدوا على ضرورة حل تدريجي يشمل حواراً وطنياً واسعاً، ودعماً من المرجعية الدينية في النجف، وضمانات لتجنب ردود فعل عنيفة.

وتجد بغداد نفسها محاصرة بين متطلبات علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن من جهة، وبين مخاطر المواجهة مع الفصائل المدعومة إيرانياً المتجذرة في الدولة من جهة أخرى. ومن المتوقع أن تحدد خطوات الحكومة العراقية في هذا الملف ليس فقط مصير الحشد الشعبي، بل أيضاً توازن القوى الداخلي والإقليمي في السنوات المقبلة.

By raad 64

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *