قال الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كريم سجادبور، إن مسار الحرب الحالية لا تحدده فقط المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل يتأثر بشكل كبير بطبيعة القيادة السياسية في واشنطن وبنية النظام الحاكم في طهران.

صراع داخلي في واشنطن وثبات في طهران

وأوضح سجادبور أن ما وصفه بـ”المداولات الحاسمة” يدور في جانب كبير منه داخل الإدارة الأمريكية نفسها، مشيرًا إلى أن دونالد ترامب أظهر تذبذبًا بين التهديد بالتصعيد العسكري الشامل والسعي لاتفاق سريع.

في المقابل، يرى الباحث أن إيران حافظت على ثبات استراتيجي قائم على أيديولوجيتها الثورية، حيث يبقى الهدف الأساسي للنظام هو البقاء، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار الداخلي أو رفاهية الشعب.

سوء فهم أمريكي لطبيعة النظام الإيراني

ويؤكد سجادبور أن أحد أبرز أخطاء واشنطن يتمثل في سوء تقدير طبيعة النظام الإيراني، الذي أظهر منذ تأسيسه استعدادًا لتحمل كلفة عالية، بما في ذلك الأضرار التي تلحق بالبلاد، مقابل الحفاظ على سلطته وهويته الأيديولوجية.

وأشار إلى أن النخبة الحاكمة في طهران تصف نفسها بـ”المبدئيين”، في إشارة إلى تمسكها بشعارات الثورة، وفي مقدمتها العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يشكل عنصر تماسك داخلي للنظام، لكنه في الوقت ذاته يحد من فرص تطور الدولة.

اتفاقات محدودة بدل تسويات شاملة

ورجّح الباحث أن تقبل طهران باتفاقات جزئية أو مؤقتة، مثل وقف إطلاق النار، دون التخلي عن نهجها العام أو تغيير موقفها من واشنطن وتل أبيب.

واستشهد بتاريخ إيران الحديث، مشيرًا إلى أن طهران لم تقدم سوى تنازلين رئيسيين: إنهاء الحرب مع العراق عام 1988، والاتفاق النووي عام 2015، وكلاهما جاء تحت ضغط اقتصادي شديد، مع توفير مخرج دبلوماسي واضح دون المساس بجوهر النظام.

تناقض بين مصلحة الدولة والنظام

ولفت سجادبور إلى أن أحد التعقيدات الأساسية يكمن في التباين بين مصالح الدولة الإيرانية ومصالح النظام، موضحًا أن ما يفيد الشعب—كالاستقرار والانفتاح—قد يُنظر إليه كتهديد لبقاء السلطة الحاكمة.

كما أشار إلى مفارقة تتمثل في أن الضغوط الخارجية، رغم دفعها إيران أحيانًا نحو التنازل، تسهم في الوقت ذاته في تعزيز تماسك النظام داخليًا.

حدود القوة الأمريكية

وأكد الباحث أن تجارب العراق وأفغانستان والربيع العربي أظهرت محدودية قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج سياسية داخل الدول، مشيرًا إلى أن أي تغيير حقيقي في إيران يجب أن ينبع من الداخل، وليس عبر تدخل خارجي.

أولوية استراتيجية: مضيق هرمز

واعتبر سجادبور أن القضية الأكثر إلحاحًا في الصراع الحالي ليست البرنامج النووي، بل السيطرة على مضيق هرمز، الذي تسعى طهران إلى ترسيخ نفوذها فيه.

وأضاف أن هذا الملف يتطلب معالجة دبلوماسية متعددة الأطراف، نظرًا لأهميته الحيوية لأوروبا وآسيا ودول المنطقة في تأمين إمدادات الطاقة.

ويرى سجادبور أن التباين بين رغبة واشنطن في اتفاق سريع، وعجز النظام الإيراني—لأسباب أيديولوجية—عن تقديم تنازلات جوهرية، يجعل من المرجح استمرار حالة “الحرب الباردة” بين الطرفين، حتى في حال التوصل إلى تهدئة مؤقتة.

وأكد أن الحكم النهائي على هذا الصراع لن يكون بحجم الدمار الذي يخلّفه، بل بتأثيره طويل الأمد على إيران والمنطقة والنظام الدولي.

By raad 64

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *