احمد العلواني
في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة العمليات العسكرية التي تنطلق من الأراضي العراقية. خلف واجهة البيانات الرسمية، تعمل “خوارزمية” معقدة تديرها جماعات مسلحة تتقن فن التخفي السياسي والميداني، مما يضع الدولة العراقية في مواجهة إشكالية “السيادة المعلقة” بين الالتزامات الدولية والتحالفات العقائدية.
أولاً: تشريح الهوية.. من هي فصائل «الظل»؟
لا تبدو الأسماء المتداولة مؤخراً مثل «سرايا أولياء الدم» أو «أصحاب الكهف» مجرد عناوين عابرة، بل هي واجهات لمجموعات مسلحة مرتبطة عضوياً بهيئة الحشد الشعبي العراقي. هذه الجماعات، رغم تظاهرها بالاستقلالية، تتبع هيكلية قيادية تتقاطع فيها المصالح المحلية مع التوجهات الإقليمية، وتعمل تحت غطاء أسماء غير رسمية لتنفيذ مهام حساسة تتجاوز سقف العمل الحكومي المعلن.
ثانياً: آلية العمل.. تكتيك «Dark Cells»
تعتمد هذه المجموعات أسلوب «خلايا الظل» (Dark Cells)، وهو نظام حركي يوفر لها مرونة عالية. وعلى الرغم من تعدد المسميات، إلا أن جوهر عملها يعتمد على ثلاث ركائز:
• الدعم اللوجستي: الحصول على إمكانيات من مؤسسات حكومية توفر لها الغطاء والحماية.
• التوجيه الإقليمي: تنفيذ الأهداف التي تُكلف بها من قبل الحرس الثوري الإيراني.
• الشرعية المزدوجة: الاستفادة من صفتها “الفصائلية” للتحرك بحرية بعيداً عن قيود الانضباط العسكري الرسمي.
ثالثاً: فلسفة «الإنكار الممكن» (Plausible Deniability)
أكاديمياً وسياسياً، تُدار هذه الهجمات وفق مبدأ «الإنكار الممكن». تهدف هذه الاستراتيجية إلى:
1. تجنب إحراج الدولة العراقية دولياً من خلال التنصل من المسؤولية القانونية.
2. تصدير صورة “الفصائل المنفلتة” التي تعمل خارج القانون، مما يمنح الحكومة حجة “عدم القدرة على السيطرة” أمام المجتمع الدولي.
3. تقليل كلفة المواجهة المباشرة أو المساءلة الدولية عن الأعمال العدائية.
رابعاً: ازدواجية الموقف الحكومي.. تبادل الأدوار
يظهر التناقض في الموقف الرسمي العراقي بوضوح من خلال “توزيع الأدوار”؛ فبينما تُصدر وزارة الخارجية بيانات الإدانة والاستنكار، يرى مراقبون أن هذا الموقف لا يتعدى كونه “بروتوكولاً ديبلوماسياً”.
فالحكومة، رغم رفضها المعلن، لم تتخذ إجراءات حاسمة لكشف نشاط هذه المجموعات أو التصدي لها ميدانياً، مما يشير إلى وجود تنسيق ضمني يهدف إلى موازنة الضغوط الخارجية مع التوازنات الداخلية.
خامساً: الحصانة السياسية والقرار المختطف
تتمتع هذه الجماعات بـ “جدار حماية” سياسي داخل مفاصل الدولة. تهيمن أحزاب وكيانات سياسية نافذة على القرار الأمني والقضائي، مما يوفر لهذه الفصائل حصانة من الملاحقة. هذا التغلغل الحزبي في مؤسسات الدولة هو ما يفسر العجز الحكومي عن وقف الأنشطة العدائية التي تنطلق من داخل الحدود.
سادساً: الجذور الإيرانية.. مدرسة «الازدواجية التقليدية»
لا يعد هذا الأسلوب ابتكاراً محلياً، بل هو انعكاس لمدرسة السياسة الإيرانية التقليدية التي تقوم على “ازدواجية الموقف”. خلق مسارين (رسمي ديبلوماسي، وغير رسمي ميداني) يتيح لطهران وحلفائها المناورة وتضليل الرأي العام، مع تحقيق الأهداف الاستراتيجية دون تحمل التبعات القانونية المباشرة.
إن تفكيك خوارزمية عمل هذه الجماعات يكشف أننا لسنا أمام “فوضى عفوية”، بل أمام استراتيجية مدروسة بعناية، تهدف إلى تحويل الأراضي العراقية إلى منصة رسائل إقليمية مع الحفاظ على “شعرة معاوية” مع المجتمع الدولي عبر آلية الإنكار الممنهج.