هيرش عبد الرحمن
“واشنطن إكزامنر” (Washington Examiner):
بينما يتحرك العراق نحو تشكيل حكومة جديدة، تستعد واشنطن للاعتراف بالنتيجة وكأنها أمر روتيني. لكن الأمر ليس كذلك. ما يتشكل في بغداد هو نظام سياسي يتزايد تأثره بإيران، والاعتراف به دون شروط قد يرسّخ هذه الحقيقة.
لسنوات، اعتمدت السياسة الأمريكية على افتراض مريح مفاده أن الانتخابات في العراق، حتى وإن كانت معيبة، تنتج حكومات مستقلة. لكن عندما تكون المؤسسات التي تُشكّل هذه النتائج خاضعة لتأثيرات خارجية، فلا يمكن اعتبارها تعبيرًا كاملًا عن السيادة.
المشكلة لا تتعلق فقط بمن يفوز، بل بالنظام نفسه.
استعادة أمريكا: لا تنخدعوا.. العراق ليس الشريك الذي تظنه واشنطن
أطاحت الولايات المتحدة بـ صدام حسين عام 2003 لمنح العراق فرصة للحكم الذاتي. لكنها بدلًا من ذلك ساهمت في خلق الظروف التي سمحت لإيران بتوسيع نفوذها. وعلى مدى أكثر من عقدين، نجحت طهران في ترسيخ حضورها داخل المؤسسات السياسية والأمنية العراقية، وبنت علاقات مع الأحزاب والميليشيات وصنّاع القرار الذين يحددون اليوم قرارات الدولة الأساسية.
هذا النفوذ لم يعد غير مباشر، بل أصبح بنيويًا.
لنبدأ بالقوة. تُعد قوات الحشد الشعبي شبكة من الميليشيات المدمجة ضمن الدولة العراقية، ويبلغ عدد عناصرها أكثر من 200 ألف مقاتل. العديد من هذه الفصائل يحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران ويعمل ضمن هياكل قيادية تتجاوز بغداد.
وبذلك، يعمل العراق فعليًا بنظامي سلطة متوازيين: حكومة رسمية وشبكة من الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران.
هذه الشبكة ليست خاملة. فمنذ أواخر 2023، نفذت ميليشيات موالية لإيران هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد القوات والمنشآت الأمريكية في العراق وسوريا. وهذه الهجمات ليست حوادث معزولة، بل تعكس منظومة نفوذ تعمل داخل العراق وتخدم الأهداف الاستراتيجية لإيران.
السياسة تسير على النهج ذاته.
خلال أزمات تشكيل الحكومات وقبيل الانتخابات الأخيرة، وردت تقارير واسعة عن تدخل مسؤولين إيرانيين، خصوصًا عبر فيلق القدس بقيادة إسماعيل قاآني، حيث أجروا اتصالات مباشرة مع قادة سياسيين عراقيين في مختلف أنحاء البلاد، من البصرة إلى زاخو. وشملت هذه الاتصالات أطرافًا كردية وسنية وشيعية وغيرها، وهدفت إلى التأثير على ترتيبات ما بعد الانتخابات، بما في ذلك توزيع المقاعد والمناصب.
النتيجة هي نظام لا تُحسم مخرجاته عبر صناديق الاقتراع فقط، بل من خلال تفاهمات سياسية تتأثر بالفصائل النافذة والجهات الخارجية.
كما تعزز مؤسسات أخرى هذه الحقيقة. فقد واجهت قرارات قضائية تتعلق بالانتخابات وأهلية المرشحين مخاوف مستمرة بشأن الضغوط السياسية. أما النظام الانتخابي العراقي، فرغم استقلاله شكليًا، فإنه يعمل ضمن بيئة تُشكّل فيها شبكات المحسوبية ونفوذ الميليشيات وأدوات الإكراه النتائج قبل وصول الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
وهذا له تداعيات مباشرة على الولايات المتحدة. فالقوات الأمريكية لا تزال منتشرة في العراق، لكنها تعمل في بيئة تستطيع فيها جماعات مسلحة مرتبطة بقوة أجنبية استهدافها. والاعتراف بحكومة تشكّلت ضمن هذه الشبكات يرسل رسالة واضحة: أن هذا الوضع مقبول.
وهذا لا ينبغي أن يكون كذلك.
إقليميًا، يحمل ذلك تداعيات استراتيجية. فالعراق المتماهي مع طهران يعزز قدرة إيران على توسيع نفوذها في الشرق الأوسط، ويهدد حلفاء واشنطن، ويقوّض الاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، يبقى رد واشنطن متوقعًا: الاعتراف بالحكومة، والتعامل مع قيادتها، وإعطاء الأولوية للاستقرار قصير المدى.
لكن الاستقرار القائم على مؤسسات مخترقة ليس استقرارًا حقيقيًا، بل هو تراجع مُدار.
ينبغي على الولايات المتحدة التوقف عن الاعتماد على النخبة السياسية العراقية الراسخة، التي تعمل ضمن نظام يتأثر بالفساد ونفوذ الميليشيات والضغوط الخارجية. فاستمرار التعامل مع هذا الهيكل كشريك موثوق لن يحقق الاستقرار، بل سيُرسّخ العوامل التي تقوّضه.
لا يتعين على واشنطن التخلي عن العراق، لكنها يجب أن تتوقف عن إضفاء الشرعية على نتائج لا تعكس سيادة كاملة. وإذا استمرت في هذا النهج، فلن تكون بصدد تشكيل مستقبل العراق، بل التنازل عنه.
