بقلم : حوراء الياسري
تواجه القارة الأوروبية حاليًا واحدة من أخطر الفترات الاقتصادية في تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من تعافيها التدريجي من جائحة كورونا وآثارها، إلا أنها أصبحت محاصرة بين ضغطين جيوسياسيين متزامنين: الأول يتمثل في التهديد الناتج عن استخدام روسيا للطاقة كسلاح، بينما الثاني يتمثل في السياسات الحمائية الأمريكية التي قد لرزت بقوة مع تولي دونالد ترامب رئاسة البيت الأبيض.
1- معضلة الطاقة: مطرقة بوتن
على مدى عقود طويلة، كان الغاز الروسي الرخيص يشكل العمود الفقري للنموذج الصناعي الأوروبي، لاسيما في ألمانيا. وقد اعتُبر هذا الاعتماد ميزة تنافسية هيكلية، إلا أنه تحول، مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، إلى “كعب أخيل” استراتيجي واقتصادي. اضطرت أوروبا إلى استبدال الغاز الروسي بغاز طبيعي مسال (LNG) يتم استيراده بشكل رئيسي من الولايات المتحدة وقطر. وقد أسفر ذلك عن ارتفاع حاد في تكاليف الطاقة — في بعض الأحيان بأضعاف السعر السابق — مما أدى إلى تآكل القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، خصوصاً في قطاعات الكيماويات والمعادن والسيارات. وفقاً لتقديرات المفوضية الأوروبية، تجاوزت تكلفة هذا التحول 1.5 تريليون يورو حتى الآن. كما قامت الحكومات الأوروبية بتوجيه مئات المليارات من اليورو لدعم فواتير الطاقة للأسر والشركات، وهو ما يُعتبر إنفاقاً دفاعياً على الاستهلاك بدلاً من كونه استثماراً في الإنتاجية أو الابتكار. وقد أدى هذا النزيف المالي إلى تقليص المساحة المالية المتاحة للاستثمار في التحول الأخضر والرقمي، وهما الرهانان الاستراتيجيان للقارة.
2- التهديد التجاري: سندان ترامب
إذا كانت روسيا تمارس ضغوطًا على أوروبا من خلال بوابة الطاقة، فإن عودة ترامب إلى البيت الأبيض، الذي يرفع شعار “أمريكا أولاً”، تهدد بفرض ضغوط موازية من خلال بوابة التجارة. حيث أشار ترامب بشكل متكرر إلى إمكانية فرض رسوم جمركية شاملة تصل إلى 10% أو أكثر على جميع الواردات، بما في ذلك المنتجات الأوروبية. ومن المتوقع أن تكون أوروبا، التي تعتمد على الصادرات بنسبة تتجاوز 40% من ناتجها المحلي الإجمالي (خصوصًا في مجالات السيارات الألمانية والآلات والكيماويات)، الأكثر تأثرًا. إذ أن أي حرب تجارية مفتوحة مع واشنطن قد تؤدي إلى ركود صناعي عميق وركود اقتصادي عام. علاوة على ذلك، يعزز قانون خفض التضخم الأمريكي (Inflation Reduction Act – IRA) الذي أطلقه بايدن، والذي يسعى ترامب لتوسيعه، من جاذبية السوق الأمريكية. حيث أن الدعم المالي الكبير المقدم للصناعات الخضراء والسيارات الكهربائية يشجع الشركات الأوروبية الكبرى على نقل استثماراتها ومصانعها إلى الولايات المتحدة. هذه الظاهرة تُعرف بـ “الهجرة الصناعية” التي تُسرّع من عملية التفريغ الصناعي (deindustrialization) التي بدأت بالفعل في أوروبا.
3- فاتورة الأمن: عبء مالي جديد وغير منتج
على مدى عقود، كانت أوروبا تستمتع بـ”عائدات السلام”، حيث كانت تنفق مبالغ ضئيلة على الدفاع وتعتمد على الحماية الأمريكية ضمن حلف الناتو. لكن اليوم، يبدو أن هذه المعادلة تتغير بشكل جذري. مع المطالب المتكررة من ترامب بزيادة مساهمات الدول الأوروبية في الميزانية الدفاعية، واستمرار التهديدات الروسية، أصبحت الدول الأعضاء مضطرة لرفع ميزانيات التسلح إلى 2% أو حتى 3% من إجمالي الناتج المحلي. هذا النوع من الإنفاق “غير المنتج” يأتي على حساب الاستثمار في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، أي أنه يؤثر سلباً على العناصر التي تعزز الإنتاجية على المدى الطويل. 4. التوتر الأمريكي-الإيراني: زيت على النار تضيف تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مع الاضطرابات في الشرق الأوسط مثل إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز والبحر الأحمر، طبقة جديدة من المخاطر. هذا الوضع يرفع تكاليف الشحن والتأمين البحري بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق الأوروبية. وبما أن أوروبا تعتبر مستورداً صافياً للنفط، فإنها ستواجه “ضريبة إضافية” تلقائية نتيجة ارتفاع الأسعار. هذا الارتفاع يساهم في تضخم مستورد، مما يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى الحفاظ على سياسة نقدية صارمة، وبالتالي يعيق النمو الاقتصادي.
هل ثمة مخرج؟
تعيش أوروبا اليوم في سباق مع الزمن، تسعى للخروج من مأزقها بين “السندان والمطرقة”. لتحقيق استقلال استراتيجي حقيقي، يتعين عليها أن تبني أسساً قوية، ليس فقط في المجال العسكري، بل أيضاً في الاقتصاد. يتطلب ذلك تنويعاً جذرياً لمصادر الطاقة، واستثماراً هائلاً ومنسقاً في التكنولوجيا المتطورة والصناعات الحيوية، فضلاً عن تقليص الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية في مجالي الطاقة والتجارة. إذا لم تتحرك أوروبا بسرعة وبجرأة على مستوى الاتحاد بأسره، فقد تتحول القارة التي كانت يوماً محركاً للاقتصاد العالمي إلى “متحف صناعي ضخم”، أو مجرد ساحة خلفية لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.